الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

164

نفحات الولاية

أَكْنَافُهَا ، وَفُطِمَ « 1 » عَنْ رَضَاعِهَا ، وَزُوِيَ « 2 » عَنْ زَخَارِفِهَا « 3 » » . فقد عاش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين كان القياصرة والأكاسرة يرتعون في الجزيرة العربية ، وقد واصل تلك الحياة البسيطة المتواضعة حتى حين تزعم الدولة الإسلامية وحاز على الغنائم العظيمة ، وكان يفخر صلى الله عليه وآله بتلك المعيشة فيقول : « الفَقْرُ فَخْرِي » « 4 » فالعبارة لا تعني أنّه لم يكن بوسع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الحصول على تلك الحياة وأسلوب العيش ، بل لم يكن شخصياً يرغب في مثل تلك المعيشة ، ومن هنا ورد في الرواية أنّه هبط عليه أحد الملائكة وبيده مفتاح خزائن الدنيا فقال : « يا مُحَمَّدُ هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزَائِنُ الأرَضِ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ إِفْتَحْ وَخُذْ مِنها ما شِئْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقُصُ شَيئاً عِنْدِي » ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : الدُّنيا دَارُ مَنْ لادَارَ لَهُ وَلَها يَجْمَعُ مَنْ لاعَقْلَ لَهُ . فقال الملك : أُقْسِمِ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ نَبِيَّاً بِالحَقِّ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذا الكَلامَ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماءِ الرَّابِعةِ حِينَ تَسَلَّمْتُ هَذِهِ المَفاتِيحُ » « 5 » . والعبارة « إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا » إشارة أنّ حكومة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلطته لم تكن كحكومة القياصرة والأكاسرة ، والعبارة « وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا » إشارة إلى عدم تناوله الأطعمة اللذيذة المتنوعة ، والعبارة « وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا » أنّه لم يستفد من القصور الفارهة والمراكب الهنيئة والثياب الفاخرة . على كل حال فقد استعان الإمام عليه السلام بأعظم أُسوة وركز على حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إزاء أولئك الذين إنقادوا للدنيا وقصروا همتهم عليها . النبي الذي كان يجلس على التراب ويعيش كأضعف الأفراد ولم يكن لديه أحياناً سوى ثوب واحد وقد اعترض على ابنته فاطمة

--> ( 1 ) . « فطم » من مادة ( فطام ) منع الطفل من اللبن ( 2 ) . « زوي » من مادة ( زي ) على وزن حي ، الجمع والابعاد ( 3 ) . « زخارف » جمع زخرف ، على وزن هرمز ، تعني في الأصل كل زينة مكتوبة ، واطلاق الزخرف على الكلام الفارغ لما ينطوي على تزويق وتجميل ( 4 ) . مستدرك الوسائل ، ج 1 ، ص 173 ( 5 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 129